قصة قصيرة - بقلم/ شريف رمزي
مدينة
الحُب.. تلك المدينة الهادئة والمُسالمة كان الحُب يسكُنها، فلم يكُن
يُسمع فيها صوت صُراخ أو آنين، ولم يكُن الليل يعرف سبيلاً إليها حيث كانت
شمس الحب تُنيرها على الدوام.
لم
يُسجل تاريخ المدينة يوماً أن آحداً من مواطنيها اعتدى على ملكية جاره أو
سلب حقاً من حقوقه، أو تعرض بالآذى ولو عرضاً لزوجته أو أياً من أبنائه.
فى
مدينة الحُب لا مجال للاستقواء بالمال أو السُلطة، فالكل فيها سواء، لا
غني ولا فقير، إذا وجد فى المدينة خبزة يابسة يتقاسمها الكل، وإذا عُثر
فيها على كنز يشترك فيه الجميع.
فى
مدينة الحُب، لا بؤس ولا شقاء، لا جرائم ولا اعتداءات، لا مظاهرات ولا
اعتصامات ولا شعارات للفُرقة ونبذ الآخر.. فى مدينة الحُب لا يوجد "آخر" ،
الكل فيها واحد، والكل يتسابق فى مَد يَد العون لمن آعيته السنين أو آحنى
الدهر هامته.
لكن التحدي الوحيد كان يتمثل فى الغُرباء الذين هُم من خارج!
حاول
الغرباء مراراً وتكراراً أن يتسللوا إلى مدينة الحُب وأن يدوسوها، فلم
تُفلح محاولاتهم، بل باءت كلها بالفشل وتهاوت بسهولة أمام أسوارها الشامخة،
تلك الأسوارا لتي بناها الحُب وتحصن فى داخلها من هجمات الأشرار.
حينئذٍ
تأكد لأعداء الحُب أنه لا سبيل للاستيلاء على المدينة إلا إذا غادرها
الحُب.. فأنفذ كبيرهم رسولاً إلى الحُب يدعوه لاجتماع عاجل خارج أسوار
المدينة من أجل التشاور والتفاهم!
وعلى
خِلاف العادة تسرع الحُب فى قبول الدعوة، ولم يُصغي الحُب لصوت العقل
والحكمة صديقيه الحميمين، الأمر الذي جَر عليه كل البلايا..
كانت صدمة حقيقية للحُب لم يَحسب لها حساباً عندما تقابل وجهاً لوجه مع أعداء الحُب!
لقد سمع كثيراً عن الكراهية، لكنه لم يفطن لبشاعتها إلا حين تقابل معها..
كما
أنه مراراً كثيرة حاول أن يرسم للحسد والغيرة صوراً ذهنية من وحي خياله،
لكنه اكتشف أن تلك الصور لم تكن أبداً مُعبرة عن مقدار القُبح الكامن
فيهما.
عندها فقط آدرك الحب أنه آخطأ إذ لم يُذعن لصوت العقل والحكمة، وتصرف ببساطة وتلقائية لا تتناسب مع مكر الأعداء.
وعبثاً حاول الحُب أن يُلطف أجواء الحديث، لكنهم سخروا منه وآهانوه.. ولم يقوى الحُب على احتمال شرهم وحسدهم وبغضتهم، فهَّم بالرحيل.
فى طريقه للعودة راح الحُب يُفكر ويتساءل فى داخله، لماذا يُقابل الناس إحسانه بالإساءة، وفيما يُقدم لهم حتى ذاته يقدمون له بُغضاً وكراهية!
فى طريقه للعودة راح الحُب يُفكر ويتساءل فى داخله، لماذا يُقابل الناس إحسانه بالإساءة، وفيما يُقدم لهم حتى ذاته يقدمون له بُغضاً وكراهية!
أما الصدمة الأكبر، فكانت فى انتظاره عند أسوار المدينة!
كان الأعداء يحيطون بها من كل جانب، ولأول مرة غطت الظُلمة آرجاء المدينة فلم يَعُد نور الحُب كائناً فيها.
آراد الحُب أن يُفارق المدينة إلى حين، لكن عند عودته لم يجد له مكاناً فيها!، كان الأعداء قد تسللوا إليها، وتحصنوا داخل أسوارها.
ووقف
الحُب يتأمل الأسوار فى مرارة وحسرة لم يختبرهما فى حياته، وفى غمرة
النَدم تمنى لو أنه آصغى لصوت العقل والحكمة ولم يُذعن لأعداء الحُب.
لكن النَدم لم يكُن يُجدي نفعاً، فقد استولى الأعداء بالفعل على المدينة، بينما الحُب يتجرع مرارة الهزيمة خارج أسوارها فى العراء.
